
أصبحت واحة سيوة مؤخراً أهم مناطق الاستثمار الزراعي في مصر، بعد أن أصيبت مناطق الاستثمار والاستصلاح الزراعي القديمة في الصحراء الغربية بتخمة نتيجة التوسع غير المدروس في الاستصلاح والسحب غير المحسوب وغير المقنن للمياه الجوفية، وهو ما أفقد عدة مناطق استصلاح كبرى ميزات كانت تتمتع بها على مدار العشرين عاماً الأخيرة، وعلى رأسها بعض مناطق محافظة الوادي الجديد. وفي هذا التقرير نسرد مجموعة من الحقائق الواقعية حول أسباب الصعود السريع للاستثمار الزراعي في سيوة، وتراجع مناطق أخرى كانت لها الريادة يوماً ما.
الماء والأمان.. سيوة قبلة الاستثمار الزراعي في مصر
ظلت واحة سيوة لسنوات تصنف كمنطقة سياحية تنشط في شهور الخريف والشتاء نظراً لمناخها الجاف ودرجات حرارتها المعتدلة والظواهر الطبيعية التي تضمها، والطبيعة الخلابة المختلطة بنقاء الصحراء، مع وجود أزمات لم تكن تخطئها العين فيما يتعلق بسوء شبكة الصرف الزراعي وزيادة نسبة المياه الأرضية، وهو ما كان يجعل عملية الزراعة في سيوة غير اقتصادية ومليئة بالتحديات.
لكن خلال السنوات الخمس الأخيرة بدأت واحة سيوة تستعيد عافيتها تدريجياً بعد أن قررت وزارة الموارد المائية والري إنهاء أزمة الصرف الزراعي في الواحة، وتنظيم حفر الآبار الجوفية، وإنشاء مسار ناقل للصرف الزراعي إلى خارج الواحة، وذلك بعد تقارير ودراسات أجرتها الوزارات المعنية في الدولة حول سيوة والإمكانات التي تمتلكها كمنطقة استصلاح واعدة، تضم احتياطيات مائية عذبة على أعماق قريبة ومتوسطة، وتربة رملية خفيفة جيدة الصرف، ومناخاً جافاً يساعد على عدم نمو الأمراض الفطرية وأعفان الجذور، ونقاء المنطقة من الآفات الزراعية المعروفة. إلى جانب حدوث تحول كبير في الواحة بعد أن شهدت معدلات المياه الأرضية اعتدالاً واضحاً نتيجة بعض العوامل الطبيعية وجهود الوزارات المعنية، لتصبح المياه الجوفية الآن في سيوة على أعماق متوسطة وبملوحة منخفضة تساعد على تنوع الاستثمارات الزراعية في الواحة.
العوامل الأخيرة دفعت عشرات المستثمرين الزراعيين إلى استصلاح آلاف الأفدنة في سيوة، وتوجهت العديد من الشركات الكبرى لزراعة النخيل المجدول والسيوي بمساحات كبيرة وصلت إلى 12 ألف فدان خلال السنوات الست الأخيرة، ومنهم شركة بشاير سيوة التي بدأت مشروعها النموذجي لزراعة النخيل السيوي والمجدول في واحة سيوة، جوار منطقة جبل الدكرور، في أراضٍ بكر تربتها رملية خفيفة، وتبلغ ملوحة المياه الجوفية فيها بين 400 و600 جزء في المليون، وهي درجة ملوحة منخفضة ومميزة تساعد على زيادة إنتاجية النخيل.
أما عن عامل الأمان، وهو أهم عوامل الاستثمار الزراعي، فقد ساهم في استدامة هذا المفهوم في سيوة التركيبة الاجتماعية المتماسكة للواحة والنظام القبلي المترابط والحاسم، بالتنسيق الكامل مع الجهات الحكومية المعنية، وهو ما جعل سيوة من أقل المناطق في نزاعات الأراضي في مصر، نظراً لوجود نظام معروف وواضح لتملك الأراضي والتعامل عليها في الواحة. إلى جانب عامل آخر مهم، وهو استقرار المراكز المالية والأوضاع المعيشية لأهالي الواحة الذين يعملون في مهن زراعة النخيل والزيتون، ورعاية الأغنام، والتجارة، والتصنيع الغذائي للتمور منذ سنوات طويلة، وهو ما يجعل واحة سيوة مركزاً زراعياً وتجارياً متكاملاً ومترابطاً بعلاقات تجارية واجتماعية قوية قائمة على أعراف اجتماعية راسخة.
لماذا تراجع الاستثمار الزراعي في بعض مناطق الوادي الجديد؟
رغم تمتع محافظة الوادي الجديد لسنوات طويلة بريادة الاستثمار الزراعي في مصر، فإن تلك الريادة تراجعت خلال السنوات الأخيرة بفعل عدة عوامل، أولها دخول مناطق مختلفة بواحة الفرافرة والواحات الداخلة والخارجة ضمن نطاق الحظر المائي، بسبب تراجع مخزون المياه الجوفية والحاجة إلى حفر آبار على أعماق كبيرة في أغلب مناطق المحافظة، وهو ما يضاعف تكلفة الاستصلاح ويضع أعباءً مالية غير متوقعة على كاهل المستثمرين، ويهدد استمرارية الاستثمار الزراعي.
ورغم الجهود الكبيرة للدولة، وعلى رأسها قيادات محافظة الوادي الجديد، في تقنين أوضاع الأراضي وإتاحة ضمانات للمواطنين لتملك الأراضي الزراعية، فإن هناك عمليات شد وجذب مستمرة بين المستثمرين الزراعيين والمجتمع القبلي في بعض مناطق الوادي الجديد، نتيجة المساحات الشاسعة التي تشهد تعدد نفوذ القبائل على المنطقة الواحدة، وهو ما يجلب الكثير من المشكلات للمستثمرين.